علم أصول الفقه
التاريخ: 12-10-1425 هـ
الموضوع: التعريف بالعلوم المختلفة


يقف المرء أمام الفقه الإسلامي ـ وهو أعظم تنظيم ديني ودنيوي معاً للحياة البشرية ـ وقفة إعجاب وإكبار من حيث سعته وشموله ودقته وإحكامه وعدله وإنسانيته.
وأول تساؤل يطرح نفسه في مثل هذا الموقف هو كيف تم مثل هذا البناء الشامخ وعلى أية أسس قام؟ وكيف كان ضبط كل تلك الفروع وما هي أصولها ومراجعها ووسائلها.. إن هذا التساؤل يشبه تساؤل إنسان أعجب غاية الإعجاب بنظام أو صنعة أو اختراع، فقام يتساءل عن وسائلها وطرائقها ونظرياتها وقواعدها.


علم أصول الفقه
يقف المرء أمام الفقه الإسلامي ـ وهو أعظم تنظيم ديني ودنيوي معاً للحياة البشرية ـ وقفة إعجاب وإكبار من حيث سعته وشموله ودقته وإحكامه وعدله وإنسانيته.
وأول تساؤل يطرح نفسه في مثل هذا الموقف هو كيف تم مثل هذا البناء الشامخ وعلى أية أسس قام؟ وكيف كان ضبط كل تلك الفروع وما هي أصولها ومراجعها ووسائلها.. إن هذا التساؤل يشبه تساؤل إنسان أعجب غاية الإعجاب بنظام أو صنعة أو اختراع، فقام يتساءل عن وسائلها وطرائقها ونظرياتها وقواعدها.
تعريف علم أصول الفقه وتفرد المسلمين به:
وعلم أصول الفقه هو ـ كما يعرفه الأصوليون ـ النظر في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام والتكاليف، أو هو علم يتعرف منه استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها الإجمالية اليقينية، أو هو ـ كما يعرفه القاضي البيضاوي أحد أئمته ـ: معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد ..
وهذه التعاريف بمجموعها تمثل الإجابة على تساؤل المرء: كيف بني الفقه وشيد.
وإذا ذهبنا نعدد مآثر أمة الإسلام وفضائلها، فلن نجد بدّاً من التنويه بهذا العلم الذي تفردت به أمتنا الإسلامية من دون سائر الأمم السابقة، بل واللاحقة أيضاً، فلم يكن لغيرها أبداً علم مستقل كعلم أصول الفقه في تكامله ودقته تستطيع به ضبط قوانينها ودساتيرها...
  قال ابن خلدون في مقدمته (واعلم أن هذا الفن ـ يقصد علم أصول الفقه ـ من الفنون المستحدثة في الملة).
بواعث استحداث علم أصول الفقه:
أما بواعث استحداث هذا العلم عند المسلمين فقد كانت عديدة متنوعة لكنها كلها طيبة جليلة، فمنها: 
1) المحافظة على الشريعة الإسلامية : لأن علم أصول الفقه صان أدلة التشريع حتى لا يتجاوزها الناس، كما حفظ للأحكام الشرعية حججها ومستنداتها، كما وضح المصادر الأصلية والفرعية للتشريع حتى تحتفظ الشريعة بقواعدها، مع مرونة كافية لتلبية حاجات المجتمع المسلم فيما يستجد من حوادث.
2) ومن بواعث علم الأصول أن يمتثل المسلمون للأوامر الشرعية التي تدعوهم للتفكر والتدبر في القرآن، ونقله نصاً وروحاً للبشرية جمعاء، ومن هنا جاء جهد العلماء في إخراج أحكام الكتاب والسنة إلى حيز التطبيق والتنفيذ.
3) ومن أهم البواعث على الاهتمام بعلم الأصول الرغبة القوية التي تولدت لدى الأمة للجمع بين مدرستي ومنهجي أهل الحديث وأهل الرأي. فقلد رأينا ونحن نستعرض نشأة علم الفقه أن العصر الأول شهد نشوء هاتين المدرستين في الحجاز والعراق، وقد تولد في أحيان كثيرة نزاع شديد بين بعض أتباعهما واتهامات خطيرة متبادلة فكان علم أصول الفقه ضرورة ملحة للجم الخلاف، ولمّ الصف، وتحديد مسار استنباط الأحكام ضمن قواعد ثابتة متفق عليها، ترد على كل متجاوز، وتهدي كل باحث عن الحقيقة.
 
4) وآخر ما نذكر من أسباب نشوء علم الأصول الحاجة إلى دراسة الاختلاف بين الأئمة والمجتهدين والفقهاء، وسبب تعدد آرائهم حيناً وتباينها أحياناً، وللاطلاع على الخلاف المقبول الذي يعتبر توسعة في الدين ورحمة، والخلاف المنبوذ المبني على الهوى والتعصب والتشهي.
هذا من ناحية البواعث الداعية إلى ذلك العلم.
موضوعات علم أصول الفقه:
 أما موضوع بحثه فإنه ينحصر في الأدلة الشرعية الكلية من حيث كيفية استنباط الأحكام الشرعية منها. وذلك على النحو التالي:
1) يبحث علم أصول الفقه في مصادر التشريع في الإسلام ، وهي الأصول التي يستقي منها كل مؤمن أحكام الدين.
  وهي قسمان: مصادر متفقُُ على العمل بها بين المسلمين كافة، وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس وتسمى المصادر الأربعة الأساسية.
  ومصادر مختلف في العمل بها بين الفقهاء وهي: الاستحسان والمصلحة المرسلة وقول الصحابي وسد الذرائع والاستصحاب وشرع من قبلنا.
ولكل من هذه المصادر المتفق عليها والمختلف فيها أبحاثُُ ومسائل وفروع وقواعد.
2) كما يبحث علم أصول الفقه في الأحكام الكلية التي تتولد أو تثبت بالأدلة السابقة.
 والأحكام الكلية الثابتة بالمصادر التشريعية نوعان:
 نوع يسمى بالأحكام التكليفية أي التي يخاطب بها الفرد المكلف : وهي خمسة الوجوب ويقابله الحرمة، والندب ويقابله الكراهة، ثم أخيراً الإباحة. فيقال مثلاً: الحكم التكليفي للصيام الوجوب، وللزنا الحرمة، ولصلاة النافلة الندب، وللتعرض للشبهات الكراهة، وللعادات الإباحة.
أما النوع الثاني للأحكام الكلية فهو الأحكام الوضعية وهي متعلقة بالنوع الأول وهي السبب والشرط والركن والمانع والصحة والفساد والرخصة والعزيمة.
3) ويبحث علم أصول الفقه في موضوع الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وشروط المجتهد وصفاته، كما يبحث في مسألة أخرى مقابلة لهذه وهي مسألة تقليد المجتهد وحكم ذلك، ومن هو المقلد، ومتى يجب عليه التقليد، ومتى لا يحل له ذلك؟
4) كما يبحث أصول الفقه في تعارض الأدلة متى يكون ، وكيف يمكن الترجيح بينها؟ ومعرفة الدليل القوى والدليل الصحيح من جهة ثبوته أو دلالته، وهي مسائل غاية في الدقة تنقطع دونها أعناق الإبل.
5) ويبحث أصول الفقه كذلك في دلالات نصوص الكتاب والسنة، والتي تبين لنا كيفية اقتباس الأحكام الشرعية من النصوص الواردة وقواعد الاستنباط، فهناك دلالة بالنظم ودلالة بالفحوى ودلالة بالاقتضاء ودلالة بالضرورة، وهناك لفظ عام وهناك لفظ خاص، وهناك مطلق وهناك مقيد، فمتى يقيد المطلق ومتى يخصص العام ونحو ذلك.
وعلم الأصول في مواضيعه تلك يستند كثيراً إلى علوم اللغة العربية التي بها نزل القرآن ونطق بها النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى علم التفسير والحديث والمنطق والخلاف وعلم الفروع الفقهية.
الرواد الأوائل في علم الأصول:
وأول من كتب في علم أصول الفقه الإمام الفذ أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وقد دون فيه كتابه الشهير (الرسالة).
وعلى يديه رحمه الله ولد ونشأ هذا العلم ولم يكن معروفاً من قبل ـ وإن كان واقعاً حقيقة ـ لأن السلف السابق من طبقة الصحابة والتابعين كانوا في غنية عنه، بما كانوا عليه من ملكة لسانية عربية فصيحة، يستخدمونها لاستخراج المعاني من الألفاظ، وبما تميزت به حياتهم من بساطة وبعد عن التعقيد، وانشغالهم بتثبيت أركان الدين والدعوة إليه.
 قال ابن خلدون: وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه أملى فيه رسالته المشهورة. ولكن الحقيقة أن للشافعي كتباً أخرى في الأصول أيضاً مثل (جُماع العلم) و(إبطال الاستحسان) و(اختلاف الحديث).
طريقتا علماء الأصول:
ومن بعد الإمام الشافعي توالى العلماء في التأليف في علم الأصول. متخذين لهم إحدى الطرق التالية:
فأما طريقة الشافعية من أهل الأصول: فقد نهجوا على نهج رسالة الشافعي، واتخذوا أسلوب السؤال والجواب، وتقرير المسائل والتدليل عليها، وتقرير القواعد وتنقيحها، والنظر إلى الحقائق المجردة، ويكثر هؤلاء من قولهم: فإن قلت كذا قلنا كذا. وهي الطريقة المسماة (القنفلة).
   ومن كتب هذه الطريقة (البرهان) للجويني و(المستصفى) للغزالي و(المحصول) للرازي و(منهاج الوصول) للبيضاوي و(الإحكام في أصول الأحكام) للآمدي.
وأما طريقة الحنفية من الفقهاء الأصوليين، فقد قامت على سرد مبادئ الأصول وقواعده بأسلوب متتابع، واستنباط القواعد الأصولية من مجموع الفروع الفقهية المتشابهة لتحويلها إلى قواعد كلية..
   ومن أشهر ما كتبه الأحناف كتاب (الأصول) للإمام الكرخي و(الأصول) للجصاص الرازي، و(تقويم الأدلة) للدبوسي و(أصول السرخسي) و(أصول البزدوي) وشرحه (كشف الأسرار) لعلاء الدين البخاري.
وأما المتأخرون من أهل أصول الفقه فقد اتخذوا لأنفسهم في التأليف طريقة جمعت بين الطريقتين السابقتين، بما فيهما من مزايا وخيرات، وتركوا ما يعتور الطريقتين من مآخذ، فهم يقعدون القاعدة والأصل، ويثبتون ذلك بالأدلة والبراهين، ثم يذكرون الفروع الفقهية التي تدخل تحته، ثم يذكرون الاستثناءات مع بيان السبب.        وعلى هذه الطريقة نجد كتباً منها: (بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام) للآمدي ومؤلفه الساعاتي. وكتاب (تنقيح الأصول) لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود، وكتاب (مسلم الثبوت) لابن عبد الشكور، وكتاب (جمع الجوامع) للإمام تاج الدين السبكي، وكتاب (التحرير) لكمال الدين بن الهمام. ومثل هؤلاء فعل الشوكاني في (إرشاد الفحول) والخضري في (أصول الفقه) وخلاّف في (أصول الفقه).
 
 
 
 






ورد هذا المقال من شبكة التربية الإسلامية الشاملة
http://islamiyat.medharweb.net

رابط المقال هو:
http://islamiyat.medharweb.net/modules.php?name=News&file=article&sid=108